أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

71

نثر الدر في المحاضرات

إلى تذكيرنا في خلاء ، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال ، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد ، وإياك والبداء إلى تصديقنا ، أو شدة العجب بما يكون منّا . وعلمنا من العلم ما نحتاج إليه ؛ على عتبات المنابر ، وفي أعطاف الخطب ، وفواصل المخاطبات ، ودعنا من رواية حوشيّ الكلام وغرائب الأشعار ، وإياك وإطالة الحديث إلا أن نستدعي ذلك منك . ومتى رأيتنا صادفين عن الحق فارجعنا إليه ما استطعت ، من غير تقرير بالخطإ ، ولا إضجار يطول التّرداد . قال : قلت : أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج منّي إلى كثير من البر . الأمين « 1 » قيل لبعض العلماء : كيف كانت بلاغة الأمين ؟ قال : واللّه لقد أتته الخلافة يوم جمعة ، فما كان إلّا ساعة حتى نودي : الصلاة جامعة ، فخرج ورقى المنبر ؛ فحمد اللّه ، وأثنى عليه . ثم قال : أيّها الناس ؛ وخصوصا يا بني العباس ؛ إنّ المنون مراصد ذوي الأنفاس حتم من اللّه لا يدفع حلوله ، ولا ينكر نزوله ، فارتجعوا قلوبكم من الحزن على الماضي إلى السرور بالباقي ، تجزون ثواب الصابرين ، وتعطون أجور الشاكرين . فتعجب الناس من جرأته ، وبلّة ريقه ، وشدّة عارضته . وكان المأمون يقول : كان يقول لي الرشيد : وددت لو أن لك بلاغة محمد ، وأنّ عليّ غرم كذا وكذا . وذكر أنّ محمدا في صباه كان كثير اللّعب ، وكان المعلّم يلقي عليه في الكتاب ، وعلى المأمون ، وكان محمد يلعب ويحفظ ، والمأمون ينسى وهو مقبل على العلم يقصد قصده . ذكر أنه دعا يوما عبد اللّه بن أبي عفّان ليصطبح ؛ فأبطأ فلما جاء قال : أظنّك أكلت . قال : لا واللّه . قال : واللّه لتصدقنّ ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ؛

--> ( 1 ) الأمين العباسي : هو محمد الأمين بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور ، أبو عبد اللّه ، ويقال : أبو موسى الهاشمي العباسي ، ولد سنة 170 ه ، وبويع بالخلافة سنة 193 ه بعد وفاة الرشيد ، وقتل سنة 198 ه ( البداية والنهاية 10 / 255 - 258 ) .